المقريزي
17
إمتاع الأسماع
وأما عمرة القضاء فقال ابن إسحاق : فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر ، أقام بها شهري ربيع ، وجمادين ورجبا ، وشعبان ، و [ شهر ] ( 1 ) رمضان ، وشوالا ثم خرج في ذي القعدة ، في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء ، مكان عمرته التي صدوه عنها ( 2 ) . قال ابن هشام - ويقال لها : عمرة القصاص ( 3 ) ، لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، في الشهر الحرام من سنة ست ، فاقتص رسول الله
--> ( 1 ) زيادة للسياق من ( سيرة ابن هشام ) . ( 2 ) ( سيرة ابن هشام ) : 5 / 17 ، عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع . ( 3 ) وهذا الاسم أولى بها لقوله تعالى : ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ) ، وهذه الآية فيها نزلت ، فهذا الاسم أولى بها ، وسميت عمرة القضاء لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضى قريشا عليها ، لا لأنه قضى العمرة التي صد عن البيت فيها ، فإنها لم تكن فسدت بصدهم عن البيت ، بل كانت عمرة تامة متقبلة ، إنهم حين حلقوا رؤوسهم بالحال احتملها الريح فألقتها في الحرم ، فهي معدودة في عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أربع : عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء ، وعمرة الجعرانة ، والعمرة التي قرنها مع حجه في حجة الوداع ، فهو أصح القولين أنه كان قارنا في تلك الحجة وكانت إحدى عمره عليه السلام في شوال كذلك . روى عروة عن عائشة وأكثر الروايات أنهن كن كلهن في ذي القعدة إلا التي قرن مع حجه ، كذلك روى الزهري وانفرد معمر عن الزهري بأنه عليه السلام كان قارنا ، وأن عمراته كن أربعا بعمرة القران . وأما حجاته عليه السلام فقد روى الترمذي أنه حج ثلاث حجات ثنتين بمكة ، وواحدة بالمدينة ، وهي حجة الوداع ، ولا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع ، وإن كان حج مع الناس ، إذ كان بمكة ، كما روى الترمذي ، فلم يكن ذلك الحج على الناس ، وكماله ، لأنه كان مغلوبا على أمره وكان الحج منقولا عن وقته ، كما تقدم في أول الكتاب ، فقد ذكر أنهم كانوا ينقلونه على حسب الشهور الشمسية ، ويؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما ، وهذا هو الذي منع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج من المدينة ، حتى كانت مكة دار إسلام ، وقد كان أراد أن يحج مقفله من تبوك ، وذلك بإثر الفتح بيسير ، ثم ذكر أن بقايا المشركين يحجون ، ويطوفون عراة فأخر الحج ، حتى نبذ إلى كل ذي عهد عهده ، وذلك في السنة التاسعة ، ثم حج في السنة العاشرة بعد إمحاء رسوم الشرك ، وانحسار سير الجاهلية ، ولذلك قال في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهئته يوم خلق الله السماوات والأرض " . والعمرة واجبة في قول أكثر العلماء ، وهو قول ابن عمر وابن عباس ، وقال الشعبي : ليست بواجبة ، وذكر عنه أنه كان يقرؤها : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) بالرفع أي برفع لفظ العمرة على جعل ( والعمرة لله ) كلاما مستأنفا - لا يعطفها على الحج . وقال عطاء : هي واجبة إلا على أهل مكة ، ويكره مالك أن يعتمر الرجل في العام مرارا ، وهو قول الحسن وابن سيرين ، وجمهور العلماء على الإباحة في ذلك ، وهو قول علي وابن عباس وعائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها ، قالوا : يعتمر الرجل في العام ما شاء .